منذُ بدأتْ طلائعُ غيثِ الأرواح ، وأنا أتذكرُ جملة والدتي من بين عشرات الجمل التي كانت تواسيني بها : ” لعل الله يكتبُ لكِ حجاً مع زوجك ” .
لم يسبق لهُ الحج وكان هذا في صالحي ؛ ولكن ما جعلني أتردد تغيرُ معاملتهِ لي بعدَ أشهرنا الأولى إذ بدأتْ حالهُ تنقلب ؛ كنتُ أعزي نفسي بأن “قشورَ” العسل قد زالتْ وبدأ “لُبُ” الحياةِ المُّر الذي يَعجُ بالمشاكل كما أسمعُ دائماً ؛ وقفتُ حائرةً في جفاءهِ وصمتهِ المبالغ فيهما ؛ ولم تُفلح نصائح أمي ولا الكتب التي تتبجح بمعرفتها لطريقة التعامل مع الجنس الآخر ولا اجتهاداتي ، خاصةً أنني لم أعرف في حياتي رجلاً غيرَ والدي الذي لم ينجب ذكوراً ، ولا يربطنا بمحارمي إلا زياراتٍ نؤديها كطقوسٍ صامتة .
رَفَضْ طلبي ! ونَهرني حين سألتُ عن السبب . كنتُ أكرر الطلب ويكرر الرفض حتى جرني الحنين والشوق لأن أسحبَ ما ادخرته من مهري وأبيعَ كل ما أُهدي إليَّ من مجوهرات فأصبح المبلغُ يتكفلُ بحج خمسةِ أفراد وليس اثنين . مددتهُ لهُ قائلةً : ” المال والصحة موجودان والحملات بعدد شعرِ رؤوسنا ولا أطفال لنا حتى نخاف عليهم ولم يسبق لنا الحج وعملك لن يتعطل بسبب خمسة أيام ” .
بعدما شارفتُ على اليأس منه نَطَق أخيراً بـ : ” نعم ” وطرتُ بها فرحاً حتى صعقتُ باختيارهِ لحملةٍ رديئةِ الخدمات . حاولتُ منع نفسي من التحسر على أموالي قدرَ الإمكان وعزيتُ نفسي بأنها لله ! حتى وإن ذهبَ ثلاثةُ أرباعها لجيبه وتشاغلت بنشوة الشوق للمشاعرِ المقدسة عن الحافلة المتهالكة وفراغ حقيبتي من المال . شيئاً فشيئاً أصبحَ ينهرني ليمنعني من فتحِ ستارة النافذة أو إمالة رأسي المنهك على كتفه أو طلب شيء منه – أي شيء ! – كل هذا اعتبرته جزءاً من مشقةِ السفر الذي احتسبته لأجل أن لا يفسد حجي قبل بدايته .
حالما وطئنا الرحاب وروحي في الجنة . وكان هو أيضاً مُنشرح الصدرِ , حانياً كما عَرفته في بداية زواجنا . وجاهدتُ نفسي كثيراً كي لا أُظهر له فرحتي بهذه العودة الأخلاقية خشيةَ أن يَثورَ كبرياءُ الرجلِ الأجوف بداخله وأبوء بإثمي وإثمهِ في تلك الساعات الفاضلة .
بالأمسِ فقط عدتُ لمنزلي بعد فترة نقاهةٍ لدى والدتي . وبدا هو كالراوي في مقهىً عربيٍّ قديم ، يسرد كل شيء :
[ حبيبتي ! كما تعلمين فأنا الأكبرُ قبل خمسة أخوة عودنا والدي على تلبيةِ ما نريد قبل أن نطلبه . فقد كان يكفي لأحدنا أن يقول : " الأستاذ طلب منا كذا " أو : " أتمنى كذا " أو : " رأيت مع فلان كذا " ، حتى نرى ذلك الشيء في أيدينا قبل انتهاء اليوم . وبعد وفاة والدي , أصبحتُ أفعل الأمر ذاته مع أمي وإخوتي . كنتُ بالكاد استطيع ذلك لكن مع تركي للمدرسة واشتغالي بالتجارة بدا الأمر سهلاً مع الأيام . بعد وفاة والدتي واستقلالهم بوظائفهم لم يبق لي أحد ليشعرني بهذه المتعة ، حتى دخلتِ حياتي ؛ فكنتُ أتحين حديثكِ عن الأحلام والأماني لأجل أن أفاجئكِ بما تحبين .
بعد زواجنا بأشهر بدأتُ اخسر في ضربات متتالية . ورغم أنني نفذتُ من الديون إلا إنني أصبحتُ عاجزاً عن الإيفاء بالتزاماتي . ووجدتُ نفسي - فضلاً عن غيري - غيرَ قادرٍ على عمل شيء ، وأتحين فقط متى يفنى القليل المتبقي .
كنتِ أنتِ كغالب الفتيات تعودتِ أن تطلبي من الوالد أو تكتبي ما تريدين في ورقة . و كان ذلك يؤذيني ، فمجرد أن تقولي " أحضر " أو " أريد " فهذا يعني أنني لم ألبي طلباتكِ حتى اُضطررتِ للتصريح بها ! مما زادَ في توتري ورماني للصمت . كنتُ ألحظ محاولاتكِ لمعرفة ما بي وأرى الخيبةَ في عينيكِ لأن كل ما تفعلينه يذهبُ هباءً ؛ فأشعرُ بالعجزِ مرتين : لأني لا استطيعُ إخباركِ ولأني لا استطيع العيش وكأن شيئاً لم يكن . تعاملكِ الطيب لم يتغير رغم قسوتي معكِ فأضاف ذلك لما أعانيه : الشعور بالذنب . حتى طلبتِ الحج ولم أرفض - رغم رغبتي - إلا لعدم توفر المال . وحين فاجأتني بذلك المبلغ رفضتُ لأن الشيطان وسوس لي بأن استفيد منه لسد احتياجاتنا . ومع إلحاحكِ استخرتُ وقررتُ أن أقتصد فيه وأصرف الباقي على معيشتنا ، لأجل أن لا نغدو معاً على بساط الفقر .
وهناك ، شرحَ الله صدري لحلٍ لم انتبه له من قبل مما جعلني أؤدي نسكي بكل طمأنينة !
عدنا وشرعتُ في ترتيبِ أوراقي وسبحان من يسر لي أموري حتى استطعتُ أن أبدأ من جديد . وما كان ذلك ليحدث إلا بفضلٍ منه سبحانه ثم بالمال الذي أعطيتني . قد لا استطيع رده لكِ حالياً لكنني أعددتُ ورقةً تضمن حقكِ .
هذا كل ما حدث ؛ كنتُ مخطئاً حين أبعدتكِ عن همومي ، وحين عاملتكِ بجفاء وأرادَ الله أن يثبتَ لي أن من اختارها زوجةً لي هي الأفضل ........... ]
إلى هذه الساعة ..
لازلتُ غارقةً في دموع الامتنان ، غارقةً في عظمة رجل !
25/12/1429هـ
وداد ..
مداد : منيرة ..
تقويم : منال ..
* نشرت في عدد محرم 1431هـ



