اليوميات ضمن حملة منتديات لها أون لاين
السبت 28/3
لم أعد أحتمل ..
خرجت وأنا أدرك أنها لم تصرخ هذه المرة كي لا أفعلها فينالني عقاله ..
وصلت وقد أنهى حفلته وترك المنزل مليئاً بالانكسار ..
كالعادة وجهها .. المغطى بكفيها .. على الأرض ” تموت الأنثى ولا يصيب وجهها مكروه “
انكببتُ عليها لأنهضها .. فتألمتْ من أثر يدي على كدمات غضبه ..
غالبتُ دموعي لأقول : تحمليني ..
فانهارتْ بين يديَّ وهي تردد : سامحيني .. سامحيني ..
لم يكن الموقف ليسمح بنقاشٍ من نوع : ” على ماذا !؟ “
تركتها تفرغ صرخاتها التي حبستها أمامه .. ثم ساعدتها لتتمدد على فراشها ..
أحضرتُ الماء الدافئ وبدأت أمسح ظهرها بخفة وأقرأ عليها من كلام الرحمن الرحيم ..
حدثتُ نفسي : هل سيعاقبنا الله لسكوتنا على ظلمه !!
الأحد 29/3
حينما دخل .. رفعتُ بصري لأبحث عن بياضٍ في حدقتيه فلم أجد ..
كان هذا حالي منذ الأسبوع الماضي ” المليء باختبارات وبحوث الجامعة “
لم أكن أعلق أو أفعل شيئاً غير هذا .. لأنه لم يكن بيدي فعل شيء ..
كان هاجس أنه ” غير طبيعي ” قد اختفى منذ زمن .. لربما كنت أبحث عن أمل !!
حمدتُ الباري أنه كان هادئاً .. فهي تحتاج لراحة بعد وجبة الأمس ..
الاثنين 1/4
لن أكتب أنني اكرهه ..
بل اكره ضعفي وعجزي أمام طغيانه وجبروته ..
أكره أن أراها في ذلٍ دائم .. ولأجلي ..
لكنني شعرت بالكراهية له حين رأيتها اليوم مسرورة .. فقد أنهت أعمال المنزل في وقت قياسي ” كما كانت تفعل قبل زواجها منه ” ..
ولعجبي ارتبكتْ قليلاً حين ابتسمتُ وقلت : الله الله ماهذا النشاط اليوم .. هل سيأتي لزيارتنا أحد !؟
ثم قالت : ومن سيطأ أرض هذه المغارة !؟
للحظة ندمتُ على مداعبتي .. فقد وجمتْ ثم انسلتْ من أمامي ..
كم أكرهك .. حتى اللحظات الجميلة لم نعد نستمتع بها ..
وأزداد شعوري بالكراهية أكثر .. حين لم يهنأ له بال حتى أفسد فرحتها بدءاً بسؤال : ما الذي يضحككِ !!! وانتهاءً باتهامات يأباها كل ذو فطرة ..
حقاً .. أكرهك .. وأكره عجزنا الذي جعلك تتجبر أكثر ..
الثلاثاء 2/4
حين عدتُ من الجامعة .. لمحتُ جارتنا خارجةً من منزلنا .. فارتعبتْ .. إن والدتي هجرتها منذ أشهر لسوء أخلاقها .. هل حدث لها سوء !!
دلفتُ وأنفاسي تسابق خطواتي .. جالتْ نظراتي رغماً عني تبحث عنها ..
ممدةً وجدتها على فراشها .. فجن جنوني .. أخذتُ أهزها بلا وعي .. رفعتهما وكأن عليهما جبالاً .. ثم ابتسمتْ .. حِرت .. قلتُ ببلاهة : أمي .. الجوع يفتك بي !!
فضحكتْ ثم عادتْ لتغلق جفنيها بذات التثاقل ..
وضعت يدي على جبينها لأتأكد .. كانتْ حرارتها طبيعية .. لعلها مستغرقة في النوم ..
حسناً لا شيء يوحي بالغرابة .. ولكن .. ماذا عن زيارة الجارة البغيضة !!
لا .. لعل الإعياء جعلني أتخيل خروجها من منزلنا ..
هل باتت مغارتنا تصيب بالهلوسة !!
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..
طرحتُ كل فكرٍ من رأسي المجوف واستغرقتُ في نومي حالمةً بيومٍ هادئ ..
وقد كان ..
الأربعاء 3/4
يستحيل أن تكون هلوسة !!
فقد رأيتها اليوم أيضاً .. جارة السوء .. لم أسرع كما فعلت بالأمس بل بكل هدوء دلفتُ واتجهتُ لغرفتها .. كالأمس تماماً تكرر ما فعلتُ وما قلتُ .. وما فعلتْ ..
لا .. لابد أن في الأمر سراً .. قررتُ أن أفاتح والدتي بأمر الجارة بعد قيلولتي ..
وهذا ما حدث ..
- أمي .. ما رأيك في جارتنا أم سامي !!
- ممم م م ماااذا .. ممم م م من !؟
زاد شكي بارتباكها فقلت : ما بك أمي !؟ أم سامي رأيتها اليوم تخرج من منزلنا وأنا عائدة من الجامعة ..
هل كانت تأخذ من عندك شيئاً لمطبخها !!
- أأأ ننن ن نعم .. أخذتْ بعض الزيت ..
بسرعة سألت : وبالأمس .. ماذا أخذتْ !!
فتحتْ عيناها على اتساعهما : هل رأيتها بالأمس أيضاً !!
بتعجبٍ شديد أجبتُ : نعم ..
- وقبله !!
- لا .. فقط اليوم والأمس ..
أطرقتْ وجاهدتْ عبراتها كثيراً قبل أن تصرخ في وجهي : وماذا إذا زارتنا أم سامي أو غيرها !!
جفلتُ : لا .. لا .. لا شيء .. فقط تعجبتُ وقت الزيارة خاصة أنكِ لا تحبينها ..
لم انتبه إلا وهي تسكبْ الدموع انهاراً .. وتردد : سامحيني .. سامحيني ..
تعلقتْ في حنجرتي ” على ماذا !؟ ” مرةً أخرى .. لأن المارد دلف لمغارته ..
الخميس 4/4
في المطبخ ..
غضضتُ الطرف عن مساحات الألوان في وجهها .. وعيناها المنتفختان من كثرة البكاء .. والزكام الذي لم يعد يفارقها مؤخراً .. ومددتُ يدي لأرتب وأنظف ما يحتاج قبل أن أساعدها في صف الأطباق لوجبة الإفطار ..
بهدوءٍ وصمت تناولنا الطعام .. ثم قطع الصمت سؤالها : ماذا حل بمكافئتكِ هذا الشهر !
ولأنني لم أتعود السؤال ورغم معرفتي بالإجابة : لا أدري ..
ثم أردفتُ : أتعلمين يا أمي لقد فكرتُ أن يكون مشروعنا أشمل قليلاً .. ما رأيك أن نلحق به سوقاً صغيراً تعرض فيه فتيات الحي منتجاتهن من الأعمال اليدوية .. لقد رأيتِ مهارة ليلى في أعمال الإبرة .. وكيف أنها لا تجد مكاناً دائماً تعرض فيه جهدها .. هاه ما رأيك !؟
بدتْ شاردة الذهن حين رفعتُ رأسي لأعرف ردة فعلها .. وقرأتُ في عينيها ” سامحيني “
فلم أشأ أن أضيع الفرصة للمرة الثالثة فقلتُ على الفور :
- أمي .. على ماذا أسامحك !؟
نوبةُ بكاءٍ أعترتها مما أكد لي ما قرأته .. ثم قالتْ : على كل شيء .. كل شيء ..
على زواجي من هذا الظالم .. وعلى العذاب الذي تعيشينه كل يوم بسببي ..
وعلى .. وعلى مالكِ الذي استودعتني إياه .. وعلى المشروع الذي لن تستطيعي إنجازه .. وعلى ..
ثم لم تعد تستطيع الإكمال من كثرة البكاء ..
انحنيتُ عليها وطوقتها فقد كاد البكاء يفتك بها .. وما فتئتْ تردد : سامحيني .. ضيعتُ مالك .. هدمتُ حلمك .. سامحيني .. أنا السبب في عذابك ..
لم أستطع أن أجيبها إلا بـ : فداكِ المال يا أمي .. فإحساسها المريع بالذنب جعلني أنسى أسئلة من نوع : كيف !؟ ولماذا !؟ ..
بعد أن هدأتْ قليلاً .. أبعدتني عنها .. ونهضتْ لتجمع الأطباق بطريقة آلية .. ألجمتني .. وجعلتني أفرغ ما بداخلي من وجعٍ وأسئلةٍ على وسادتي كالعادة ..
وجدتُ نفسي قد غفيتُ لبضع ساعات .. حين نهضتُ تعجبتُ الهدوء في المنزل فخففتُ وطئي اتقاءً لغضبه على صوتِ خطواتي المزعج كما يسميه .. وجدتُ باب غرفة والدتي مفتوحاً .. كانتْ تتلوى في فراشها .. وملامحها تنز بالألم ..
هببتُ مسرعة : مابكِ يا أمي !؟
- لا شيء .. لا شيء ..
لم يمهلني المارد لأطمئن عليها فقد جاء ليطلب غداءه الذي لم يكن جاهزاً لحالة أمي ..
فأقام الدنيا على رؤوسنا .. وبدأتْ حفلته بي أولاً .. فهبتْ لتبعده عني ..
وحين أراد ضربها .. تفاجأ كما تفاجأت بردها الصاع له صاعين ..
أخذتْ تضرب وتركل وتعض وكأن قوة رجلين بداخلها .. مما جعله يتوسل أن تتوقف ..
رغم أنها منذ لحظات كانت تتلوى من الألم ..
لا شعورياً أخذتُ أسحبها لأبعدها عنه .. مرت دقائق قبل أن تنهار بين يدي وتقع كالجثة الهامدة ..
أخذتُ أصرخ بها لتنهض .. وقف هو لبرهة قبل أن يستوعب كل ما حدث ..
ثم طلب مني عباءتها ليحملها للمستشفى ..
وللأسف رفض أن أذهب معهم .. بقيتُ لا أعلم عن حالتها شيئاً .. فهو لا يرد على اتصالاتي ..
ودارت الأيام الماضية في خلدي بسرعة البرق ..
كيف كانت حياة والدتي ” يتيمة الأب والأم ” في بيت خالي الوحيد قبل وبعد وفاة والدي .. وكيف أرغمها أعمامها بعد وفاة أخيها على الزواج من رجل بلا قلب لكي لا يتحملوا مسؤولية أرملة وابنتها الشابة ..
لجأتُ للكريم .. يا الله .. أنت أعلم بحالي وحالها ..
الجمعة 5/4
هببتُ على صوته وهو يقول أنها تريد رؤيتي ..
لملمتُ شعثي ولحقته بسرعة .. سألته عنها ..
- انهيار عصبي ..
لم أتمالك دموعي حين قالها ..
ما الذي جعلها تصل لمرحلة الانهيار .. أعرف أمي جيداً .. حياتها ملأى بالمعاناة ولم تهزها المصائب يوماً ..
لماذا الآن !!
شعرتُ بكراهيتي للجالس بجواري تتنامى .. وتتنامى ..
رميتُ بنفسي عليها .. وهي تردد بوهن : سامحيني .. سامحيني ..
- لا .. لا يا أمي بت أكره هذه الكلمة .. أرجوك .. فدكِ كل ما أملك .. ولا يحدث لكِ مكروه ..
انتظرتْ ليخرج المارد لتقول لي : لابد أن تعرفي الحقيقة يا ابنتي ..
وبدون أن تنتظر رداً .. أخذتْ تحكي كيف زارتها أم سامي إثر وجبةٍ من يد المارد مدعية أنها تريد الاطمئنان .. وأنها استغلتْ انهيار نفسيتها بتقديمها لخدمةٍ مجانيةٍ كوصفةٍ لإخراجها من دوامة الألم ..
حبةٌ واحدةٌ فقط .. جعلتْ أمي مدمنة ..
أمي التي لم تكن تملك سوى وديعة ابنتها لمشروع المشغل النسائي ..
أمي التي نفض عنها محارمها أيديهم ليغمسوها في دنيا عريضة بها كل شيء .. إلا الأرملة وابنتها ..
أمي التي لم تزدها تجارب السنين إلا وهناً .. ولم تزدها الضغوط إلا ضعفاً ..
وكيف أن الندم بات يعتاش على أضلعها لأنها فرطتْ في صبرها وسلمها العجز لأم سامي التي كانت على استعداد لتفعل أي شيء لأجل المال ..
وندمٌ آخر على مال ابنتها الوحيدة الذي ذهب لأجل راحة وقتية تسري في جسدها الواهن بعد كل جرعة ..
وكيف أنها قررتْ هجر أم سامي لأجلي وكيف طردتها صبيحة الأمس من المنزل وكيف تحملتْ الآلام لتعود ” أم ناصر ” لسابق عهدها ..
وحاولتْ تحمل الآلام لكن ضرب زوجها لي جعلها تفقد كل توازن ..
هل يعقل أن حياة أمي المليئة بالمعاناة ثم ظلم زوجها جعلها تستسلم لكيد أم سامي .. وتصبح ” مدمنة “
لا .. إلا أمي .. إلا أمي ..
عادت الصور تتلاحق .. حالة أمي الغريبة كل ظهيرة .. وزيارة جارة السوء .. وضياع المكافئات التي أودعتها إياها .. وكلمة ” سامحيني “
صورٌ دعمتْ كلمات أمي كمطارقٍ تهشم أضلعي .. وتضعفني كثيراً كثيراً ..
لا .. لا أتحمل صدمةً من هذا النوع ..
بل عدة صدمات في يوم واحد ..
يا الله .. يا الله ..
السبت 6/4
بغض النظر أنني لم استطع الذهاب للجامعة .. فإن في ذهني فكرة احتجتُ أن أطبخها على نارٍ هادئة ..
طلبتْ مني المشرفة على علاج والدتي بالأمس وبصورةٍ حازمة أن لا أترك أم سامي حرةً طليقة .. فإن كانت والدتي لازالت في بداية الإدمان وتستطيع التخلص من آثاره بسهولة .. فإن غيرها قد لا تتاح له هذه الفرصة بسبب أم سامي وغيرها .. وسلمتني رقم هاتف أحد الضباط قائلةً أنه سيتصل ليجري خطة للإيقاع بها متلبسة حتى لا تتاح لها فرصة الهرب من تهمة الترويج ..
ترى .. هل سأتمكن من هذا لوحدي .. خاصة أن المارد لا يعلم عن كل هذا .. بطلب من والدتي !!
ستخرج والدتي غداً .. وستبدأ معاناتها مع ترك الإدمان .. ومعاناتي مع أم سامي ..
اتصل الضابط .. وبدأ الخوف يتلاشى مع كلماته المشجعة .. وكيف أنني على ثغر .. فعملي هذا سيكفي الأمة شر مجرمة لا تتوانى عن إفساد الفتيات والنساء فقط لأجل المزيد من المال ..
يا الله .. أنت أعلم بوحدتي وضعفي ..
فقوّني ..
الأحد 7/4
أعددتُ الفطور مبكراً .. وتشاغلتُ بأعمال المنزل عن جمٍ من الأوجاع تدور في داخلي ..
بعد خروج زوج والدتي .. حرتُ ماذا أقول لوالدتي .. رفعتُ عينيّ في محاولة لأتشجع ولكن طرقٌ على الباب جعلني اهرب من الموقف لأجيبه ..
فإذا بجارة السوء تدفعني لتدخل .. لحقتها ووقفتُ بينها وبين والدتي المتعجبة من حضورها وأشرتُ لسفرة طعامنا وقلتُ متهكمة : تفضلي يا أم سامي .. شاركينا الفطور ..
قالتْ موجهة الكلام لوالدتي : ابنتكِ تعرف الأصول أكثر منكِ يا أم ناصر ..
- ماذا تريدين !؟
- سلامتكِ .. تعرفين ما أريد وأعرف ما تريدين فلا داع للتذاكي أمام ابنتكِ المصون ..
لم تعجبني طريقتها فقلت : لو سمحتِ .. أي غرض تحتاجين له أخبريني وأحضره لكِ في الحال ..
قالت من بين ضحكاتها : طلبي لدى والدتك .. هي تعرف ما أريد ..
- لماذا حضرتِ اليوم !؟
- لأنكِ قلتِ أنك ستوفيني اليوم .. وتعلمين أن خدمتكِ تحتاج للمال ..
أطرقتْ أمي : لا أملك لكِ شيئاً يا أم سامي .. لم أعد أملك شيئاً ..
- ومال ابنتك !؟
- لا .. لا .. أخذتِ منه الكثير .. أرجوكِ أخرجي وأوفيكِ فيما بعد ..
- ستتوسلين لي غداً وسترين ..
خرجتْ وهي تتوعد .. ووقفتُ مشدوهة فالحوار الذي دار أمامي للتو يؤكد كل شيء .. وأنا التي لم أكن أحتاج لتأكيد ..
غالبتْ دموعي لأقول : أمي .. قلتها لكِ سابقاً فداكِ المال وأكررها ثانية .. فداكِ يا أمي كل ما أملك .. ولكن لا تسلمي رقبتك لأم سامي ولا غيرها ..
- سلمتها وانتهيت .. فلم أعد استطيع الاستغناء عنها ..
انتهيت يا سارة انتهى كل شيء ..
- لا يا أمي لستِ كذلك .. لا زلنا في البداية ونستطيع التخلص من كل ما يعذبك ..
- آه يا سارة .. آه يا حبة القلب .. وددت الموت ولا أن أعرضك لكل هذا ..
- لا يا أمي .. كل ما حدث كان رغما عنكِ وعنا ..
- ولكن سأحتاجها .. سأحتاجها لأرتاح ..
- بل ستحتاجين لمن يملك ما هو أقوى وأنفع من ما تملك أم سامي وبلا مقابل .. سأحتاج أنا وتحتاجين لرب العالمين .. لمن يملك خزائن السماوات والأرض ..
أتعلمين يا أمي أن رشا زميلتي بالقاعة قد عادت للدراسة بعد انتهاء علاجها وعادت كما رأيتها قبل أشهر مرحة بشوشة وصحتها تبدو طيبة ..
نستطيع يا أمي .. نستطيع أن نعيد حياتنا رائعة كما كانت ..
- حتى وإن تخلصت من أم سامي وحباتها .. فكيف سأتخلص من هذا الظالم !!
- لا عليك يا أمي .. دعينا في الأهم .. حياتكِ يا أمي هي الأهم الآن .. صحتك وراحتك أهم عندي من كل شيء ..
ثم لم استطع الإكمال بهدوء فبكيت كطفلة : أرجوكِ يا أمي .. دعينا نعود كما كنا .. أرجوكِ لا تتركي أم سامي تدمرنا .. كما يفعل هذا المارد .. لا أريد أن أخسركِ يا أمي .. أرجوكِ ..
لم تكن حالة أمي لتحتاج لكل هذا التوسل .. لكنما هي الأوجاع التي انفجرت كبركان لحظتها ..
لا يا أمي .. أنتِ قوية .. وسنثبت لكل العالم ذلك ..
لأن القوي معنا ..
الاثنين 8/4
كما اتفقنا .. اتصلتُ على المركز الطبي لمعالجة الإدمان .. بعد أن أخذتُ رقمه من رشا ..
وشرحتُ للمتخصص حالة أمي .. وكيف أرشدتني الطبيبة المسئولة عن علاج والدتي أنها تعتبر في بداية الإدمان وشجعني كثيراً لأن النوع الذي أخذته والدتي يعتبر من أخف أنواع المخدرات وأقلها ضرراً .. وأخبرته بأسماء الأدوية التي صُرفتْ لها ليطمئن قلبي .. وقد كان .. وختم حديثه بدعواتٍ بالتوفيق رفعت معنوياتي كثيراً ..
أخبرتُ والدتي التي كانت تتوجع من الآلام في كل أجزاء جسدها ..
كانتْ تنهض تارة وتجلس تارة ..
تنشغل مرةً بالطعام .. ومرةً بأعمالٍ بسيطة في المنزل ..
مرةً تقف أمام الهاتف وترفع سماعته .. ومرةً تبعده عنها ..
أدرك الصراع الذي تعيشه فقد شرح لي الطبيب كل ما يُتوقع أن تمر به ..
وأنا .. مرة أصبّرها وأواسيها .. ومرة أمازحها وأحاول إشغالها بقصص وأحداث من ماضينا الجميل ..
الثلاثاء 9/4
اتصلتُ بأم سامي باكية : أرجوكِ يا أم سامي أمي متعبة كثيراً وترفض أن آخذها للطبيب وتطلبك ..
- حسناً .. حسناً ..
لم تمض دقائق حتى عاودتُ الاتصال : لمَ لمْ تحضري يا أم سامي !!
- لأن والدتكِ لا تملك قيمة ما تطلب فلتتألم إلى الغد .. لا أؤدي خدمات مجانية ..
- أرجوكِ .. سأعطيكِ كل ما تريدين ولكن المهم أن ترتاح أمي ..
- ولكن عليها دينٌ سابق ..
- سأوفيه لك .. سأوفيه .. أرجوكِ ..
- حسناً .. حسناً ..
حين حضرتْ كانت عيناها تشع بالانتصار .. وقالت : ألم أقل لك أنك ستتوسلين لي لأعود ..
- دعي عنك كل هذا واخبريني ألا يمكن أن تخفضي من السعر قليلاً .. فأنت تعلمين أنني لا أملك سوى مكافئة سارة ..
- أنت تعلمين منذ البداية أن أسعاري مرتفعة ..
- قد أجد غيركِ ارخص .. واترك التعامل معك ..
- هههههه في مجال خمس حارات حولنا لن تجدي غيري .. إلا إذا اردتِ التجربة بنفسك ..
- لا .. لا .. فقط أريد منكِ خدمة قبل أن أسلمكِ المال .. هل لكِ أن تسلمي سارة غداً كميةً كبيرة وتتولى هي إعطائي إياها بالتقسيط !!
- آها يا أم ناصر .. بدأتِ تتحدثين بالكميات أيضاً !!
- ماذا أفعل لم أعد استطيع الاستغناء عنه ..
مددتُ لها المال .. فسلمتْ والدتي حبتها المشئومة وأردفتُ : وهذا نصف المبلغ لكمية الغد ..
- مادام المال موجوداً فأم سامي في الخدمة ..
خرجتْ وألحقتها أمي بالدعاء المر عليها وعلى أمثالها ..
ولففتُ الشريط الذي سجل حوارنا مع حبة السم .. وسلمتها للضابط الذي مر كأنه عابر سبيل قد أخطأ المنزل ..
الأربعاء 10/4
آلام أمي .. وترقبنا لاتصالٍ يطمئن قلوبنا ..
وزوجها الذي لم نره منذ خروجها من المستشفى ..
كلها أوجاعٌ تتزايد .. فأصبر نفسي حيناً وأصبرها أحيان كثيرة ..
أجد نفسي في امتحانٍ عسيرٍ على ضعيفةٍ مثلي .. ولكن الله يقويني ويصبرني باستشراف مستقبلٍ قد استعادت فيه والدتي صحتها .. وعاد الهدوء والسكينة ترفرفان على منزلنا ..
ونحن ” نضغط ” على أنفسنا لنتناول طعام الغداء .. أتتنا البشارة :
لقد تم القبض على أم سامي متلبسة .. ووُجِد في حوزتها كمياتٍ كبيرة من المخدر وأموالاً طائلة بما فيها مالكم المعلّم .. وأرقام كل من يتعامل معها من مروجين ومتعاطين .. ويتم التعامل معهم كلٌ بحسب حاله ..
بارك الله فيكِ يا ابنتي .. لولا توفيق الله ثم شجاعتكِ لما تخلصت البلاد من مجرمةٍ كهذه ..
لم أعد أستوعب باقي كلماته فقد غلبتني دموعي واستعجلتُ إغلاق السماعة لأبشر والدتي ..
كانتْ فرحتها بي أعظم من فرحتها بالتخلص من أم سامي ..
- رفعتِ رأسي يا ابنتي ..
- بل أنا من يحق لها أن تفخر بأم مثلك .. تجاهد كل صعب لترضي ربها قبل كل شيء ..
كانت ليلة من أجمل ليالينا منذ سنوات ..
فلك الحمد يا كريم ..
الخميس 11/4
حين عدنا مع سيارة الأجرة من عيادة معالجة الإدمان لتراجع أمي تقدمها مع العلاج ..
وجدنا المارد في صالة المنزل .. مطرق الرأس .. على ثيابه أثر سفر ..
لحظتُ لهفة والدتي عليه فصعدتُ مباشرةً لغرفتي وبداخلي حنق : أبعد كل ما فعل تسألينه إن كان بخير !!
هو سبب كل ما حدث لكِ !!
غفوتُ لعدة ساعات قبل أن استيقظ لصلاة العصر ..
حين نزلت وخطواتي لم أغير فيها شيئاً فلم يعد يهمني غضب أحد .. وجدتهما يتسامران .. لأول مرة منذ زواجهما أراهما هكذا ..
كدتُ أتراجع لكنه طلب مني الاقتراب بنبرة حنونة ..
لم استوعب إلا حين نادتني أمي لأجلس بجوارها .. وبدأ الحديث :
أعلم يا ابنتي أنني أخطأتُ في حقكم كثيراً .. لن أتهرب وأقول أنها كانت نزعة شيطان أو لم أكن أعي ما أفعل .. لكن .. عرفتُ فداحة جرمي في حقكم .. إن قوة أمك في ضربي ثم مرضها علمني الكثير .. إنني نادم يا ابنتي .. وعدتُ لتسامحيني وتقبليني أخاً ولن أقول أباً فأنا لا استحق هذا الشرف ..
ردت والدتي : بل أنت والدها من الآن وأثق أنها ستسعد بأبٍ مثلك ..
كدتُ أصرخ فيها وفيه : ليس بهذه السهولة .. ولكن ..
لولا قسوته لما مررنا بتجربة مريرة كهذه .. علمتنا معنى الحياة والصحة والخلق .. وقبلها معنى أن يكون لك رب تعبده وتلجأ إليه في كل أمورك ..
فكرت أنه لولا قسوته لما انهارتْ أمي ولما عرفتُ بإدمانها وسعينا معاً لنتخلص منه ومن جارة السوء ..
فكرتُ أنه لولا قسوته لما عُرف الخطأ وسُعى لتصحيحه ..
انتبهتُ وهو يقول : إن لم تستطيعي الصفح عني فلا ألومك فما فعلته ليس بالهين ولكن أطلب منكِ أن تعطيني فرصة لأعوضكم عما مضى ..
رفعتُ عيني لأجد وجه والدتي يفيضُ بالبشر .. وأجد ملامحه تفيضُ بالندم ..
ماذا أريد أكثر من سلامتها وراحتها ..
- ليسامحنا الله جميعاً يا أبتي ..
الجمعة 12/4
غداً سأذهب لجامعتي مع زوج أمي أقصد ” أبي ” ليقدم عذري لغياب الأسبوع الماضي ..
لم أعد أكرهه لكنني لم أزل مترددة في محبته ..
حسناً .. ماذا أريد وأنا أعيش في كنف أب وأم متفاهمين .. وكلاهما يخطو ليصل إلى العافية .. ويحمد الكريم على نعمائه ويصبر على ما يسير عليه من البلاء ..
ومنزلٍ هادئ بلا ذلٍ وانكسار .. فلم يعد مغارةً لماردٍ ظالم ..
أدامها الله من نعمة ..
من الصدمات ما يجعلنا نصمد في وجه الحياة المتقلبة .. وأكثر قوةً أمام المحن ..
منها ما يجعلنا أكثر محبةً لمن حولنا .. وأكثر رغبةً في إسعادهم وراحتهم ..
منها ما يجعلنا أكثر قرباً من المولى .. وأكثر خضوعاً لما يحب ..
منها ما يجعلنا ندرك لماذا خُلقنا ولأي هدف نعيش ..
منها ما يجعلنا نفكر ألف مرة قبل أن نخطو .. فحياتنا أهم ..
.. سارة .. 1429هـ ..


آلاء قال
يالله ..يالجنون الرجال ..

حزنتيني على الصباح يامنيرة ..
muneerah00 قال
عذراً لقلبك آلاء ..
هي الحكايا .. نزف القلب والقلم ..
شاكرة بصمتك ..
وعذراً لحزنك ..