غيّاب ..

لا أعلم لم كنت أرصد تحركاتها بل وحتى همساتها .. فلو استقبلت من أمري ما استدبرت لما خضت هذا البحر الخضم ولكنت أنعم الآن براحة وسكينة ..

اعتقد أن الأمر بدأ في ظهيرة يوم خانق .. حين لمحتها في المطبخ ” في وقت أشد ما نكون عنه إضراباً ” كانت تعصر بضع حبات من البرتقال فعدت أدراجي قائلة لنفسي : كالعادة أنانية تصنع لنفسها فقط ..

وبعد دقائق تفاجئت كما الجميع بدخولها بأكواب ملئى من العصير على عددنا وهي تقول بابتسامة طفولية : اشتهيته ..

منذ تلك اللحظة وجدت اهتمامي ينصب عليها .. ومنذ تلك اللحظة .. اكتشفت أن وراء ملامحها الجادة وصمتها الصارم .. إنسانا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان ..

لم تكن أختي تشبه أياً منا في طباعها أو ملامحها .. كنا نعدها مختلفة .. كما كان يعتقد كل من يرانا مجتمعين لأول مرة بسؤال متعجب : أختكم !!

كانت اهتماماتها لا تروق لنا وذوقها بعيد جداً عما نعده ذوقاً وزينة .. وفي تعاملها شيء من الرسمية مما جعلنا نخرجها من محيطنا بدون أدنى شعور بالذنب وقد كان الأمر سهلاً فمثلها لا يهتم بالضروريات وتصرف جهدها على تفاصيل بسيطة إن لم تنفع فإن تركها لا يضر ..

بعد كأس العصير .. أدركت كؤوساً مترعة بمشاعر لم يخطر على بالي أنها تملكها .. فهي الوحيدة من بيننا التي تبدأ اتصالها مع أخي بـ : كيف حالك ؟ بدلاً من : أين أنت ؟ المتعارف عليها ..
ثم تسأله : أقريب من المنزل ؟ ورغم أنه يجيب بـ : لا .. لأنه يدرك أنها ستطلب منه شيئا فأنها ترد عليه بـ : خسارة .. كنت أود أن تحضر لي معك ……..
ولعجبنا .. نراه حين يدخل المنزل يحمل طلبها في يده ..

كانت تطلب منا الإذن في استعمال ما يخصنا من أدوات تجميل أو عطور في حين كنا نستعمل أدواتها من دون هذا الحاجز .. لا أنكر أنها كانت تغضب وكنا نعرف ذلك لكن غضبها ليس كما نمارسه .. إنها تنظر لأدواتها المستباحة : منذ متى تغبير مكانها !! وبعد إجابتنا : فداكم … مع ابتسامة عتب .. وكفى ..

كنت أراها ضعيفة لأنها لا تأخذ حقها كما نفعل .. لا منا ولا من غيرنا .. كانت تستحق أن يستباح حماها لتتعلم أن الدنيا لا تصلح لأمثالها ..

أدركت أننا كنا نستشيرها في أغلب أمورنا ونلجأ لها في أزماتنا من دون أن نشعر .. كانت تؤازرنا وتحاول إيجاد الحلول وإن عجزت فالدعوات على لسانها ..

حسنا لم تكن مثالية ولم تكن سيئة كما كنا نعتقد .. لكن اكتشفت متأخراً أن التي يلاصق فراش نومها فراشي .. ومجلسها في أي اجتماع عائلي غالباً ما يكون بجواري .. كانت أقرب إليّ من كل احد وكانت تهب لي من وقتها وجهدها ودعائها حين كنت ألهث وراء صديقاتي وأشياء كثيرة ليس من بينها ” أختي “

ما يؤلمني أكثر أنها كانت تشجعني وتمدحني في حين كنت ألومها على مظهرها واهتماماتها ..

كيف كانت تتحمل !!

مرات عديدة تفاجئنا بعشاء أو حفلة صغيرة أو هدايا بسيطة وكانت تستمتع بذلك في حين كنا نراها تريد الاستحواذ على الفضل والأسبقية ..
نعم .. لقد كانت أفضل منا جميعاً ..

لِمَ انكشفت كل الحقائق في غيابك !!
أين كانت من قبل !!
بل أين كنا عنها !!

تعليقات »

  1. تسلسلك السردي بكل هذا الرويّ ؛ أروى فضولنا للتفاصيل الحياتية البسيطة التي نعقدّها بالتأويل … كتأويل : كوب عصير!

    الفكرة نبيلة والأسلوب جميل وبسيط ؛ ويجعلنا نرى الأشياء التي نراها دوماً بشكل جديد!

    تقولون في نجد لمن تحبون: الله لا يبيّن غلاتك!

    لأن الغلا لا يظهر إلا في الغياب غالباً …

    نحتاج لتصفية بعض مفاهيمنا الانسانية ؛ أليس كذلك؟

    مونيراً :

    شكراً شكراً :)

  2. nddo قال

    منيرة قصة اكثر من رائعة والانسان لا يشعر بقيمة الاخرين الا عندما بفقدهم
    وانا عندي شي ان لا اخذ فكرة عن اي انسان اذا لم اتعرف عليه جيدا
    تقبلي مروري

  3. أنين قال

    فعلا الانسان غالبا لا يشعر بقيمة الاشياء أو الاشخاص
    الا حين يفقدهم .. وللأسف لا يكتشف ذلك الا متأخراً جدا ..

    قصه رائعه جدا احداثها البسيطه ومشاعرها الدقيقه
    جعلتها ناعمه جدا رغم الفقد والحزن المقصود بها

    منيره .. مدونتك عذبه جدا وجميله
    سعيده بوجودي هنا

    تحياتي لك ولقلمك الجميل

  4. ،

    للأسف !
    لا نعرف ثمن الأشياء
    إلا حين تفتك بنا فقداً ..

  5. سرد جميل .. عيشني جو ..

    سعيدة بالتعرف على مدونتك

  6. روشانا قال

    أتعلمين يا مونيرا أنا لا أحب البكاء على اللبن المسكوب

    يعني إذا فقدت الشيء ما افكر فيه ..

    أثناء وجوده بين يدي اقدسه واحرص عليه ولكن إذا ذهب اتركه بدون ان التفت إليه

    كنت أتمنى أن يرزقني ربي بأخت واحدة فقط .. لتكون أقرب قلب لي بالكون

    إنتِ بنعمة يا مونيرا غيرك كان يتمناها فأحرصي على قربكم من بعضكم أكثر وأكثر

  7. منيرة

    قلم رائع خط بثقة اسم كاتبته على صفحات لاتنسى..

    أعجبتني حروفك لكني أخشى ان تكون واقعية لاني لمست

    ألماً في الحروف،، بصراحة أجدتي ,,

    حيث أرى المشاعر اتحدت مع القلم فكان مانراه من روعة كتابة..

    منيرة لديك اسلوب جد رائع وتسلسل مميز حافظي على ذلك

    واصلي واكتبي ،،

    مشاركة بسيطة لقصتك

    هناك مثل ببلدي يقول” لبقيت تغلى موت ولاتغرب ”

    يعني لي كنت تبي تشوف نفسك غالي وتتغلى ياتغترب وتشوف غلاتك والغربة
    والغياب هم الي يظهرون غلاة الناس او انك بعد وفاتك الناس بتذكرك..

    للأسف انه وصلنا الى هذا المنطق ..

    الحياة أقصر من أن نبخل فيها بالبوح بمشاعرنا..

    بورك بك وبقلمك الماسي يامنيرة..

  8. منال ..

    بلى .. نحتاج لذلك .. فالتأويل يبني حوائط نتوهم أنها لا تُخترق ..

    ولأنني نجدية فلابد أن أكررها مراراً وتكراراً : الله لا يبيّن غلاك منوّل :)

    بل الشكر لكِ يا غالية .. فلولا دعمك لما خرجت بهذا الجمال ..

    ألف شكر :)

    ***

    ندو ..

    الأروع مرورك ..

    كلنا نود أن لا يؤخذ عنا فكرة من كلمة أو موقف عابر ..

    ولكننا أحياناً نمارس ذلك لا شعورياً على الغير ..

    وشكراً لتواجدك :)

    ***

    أنين ..

    صدقتِ .. أحياناً نظن أننا نكتفي بشخص عن العالم .. وحين نفقده نجد أننا رزينا بفقده وفقد جميع من حولنا لأننا ما سمحنا لهم بالاقتراب ..

    مجرد فلسفة :)

    الحمد لله على ما تفضل به ..

    بل أنا التي سعدت بتواجدك :)

    ***

    النهى ..

    وليتنا نتعلم .. ليتنا :/

    سعدت بحضورك :)

    ***

    بوح النفس ..

    الأجمل تواجدك ..

    وانا أسعد بحضورك :)

    ***

    روشانا ..

    مادمتِ لا تقصرين أثناء تواجده .. فلا يضرك رحيله .. لأنه سيكون هو الخاسر ..

    هي مجرد قصة يا غالية .. مجرد قصة ..

    لكن منحتها شيئاً بسيطاً من حياتي ..

    والحمد لله ترابطي مع أخواتي يسير بشكل جيد .. والله لا يفرقنا من شر ..

    سعدت بتواجدك :)

    ***

    إشراقة ..

    لا .. ليست واقعية .. لكننا قد نجدها بيننا يوماً ما .. ففي البيوتات .. تهدأ الحركة ولا يهدأ إبليس بل يُعمل خيله ورجله ليفرق بين الإخوة .. وكثيراً ما ينجح للأسف ..

    جمال عينيك وقلبك وجدوا ما كتبت رائعاً .. وإنما هي خربشات قلم .. لا أكثر ..

    والحمد لله أولاً وآخراً على فضله وتوفيقه .. وكذلك رزقني بصديقة فاضلة تقوّم سير قلمي المعوج .. أسأل الكريم أن يبلغها في نفسها ومن تحب خيراً ..

    يا الله .. موت وإلا تغرب :/

    يعني ما ينفع تحبوني وأنا بينكم :/

    ” الحياة أقصر من أن نبخل فيها بالبوح بمشاعرنا.. ”

    صدقتِ .. صدقتِ ..

    لو نطبق سنة نبينا حقاً لما وصلنا لهذه المرحلة .. فهو عليه الصلاة والسلام صرّح بحبه لبناته وزوجاته وأصحابه ..

    كنا نعاني من جفاء الرجال .. فأصبحنا نعاني من جفاء أنفسنا أيضاً ..

    شكراً لتواجدك .. الذي يسعدني كثيراً :)

  9. سرني وأنا أتجول بين المدونات تعرفي على مدونتك أخية
    وكم أثّرت في حروفك التي نظمتها هنا تحت مسمى ( غياب )
    أتعلمين ما المؤلم في الغياب ؟
    أنك تودين لوكنت فعلت المزيد والمزيد لمن غاب قبل أن يغيب
    بوركتِ أختي

  10. Basoom قال

    :)

    ما شاء الله تبارك الله
    كتابة رائعة

    ومثل ماقالوا لا نعرف الأشخاص إلا إذا غابوا!!!

    وأقرب وأسهل مثال يتكرر علينا
    إذا غابت وحدة من صديقاتك خاصة إذا كانت مقربة ..!
    شوفي وش يصير وقتها

    قلم مميز ماشاء الله
    الله يوفقك ويعينك

  11. مشاعل قال

    قصة رائعة أعد قرآئتها كثيراً

    أتعلمين ذلك الإحساس تسلل إلى نفسي حتى أحسست بأنني أشتاق لأحد ما أخترقتني القصة جداً في نهايتها

    لك الود

  12. [...] غيّاب .. « مُـنِـيـرَة غيّاب [...]

  13. غياب قال

    http://www.almhml.com/vb/showthread.php?t=10551

  14. غـيم قال

    حولنا كنوز لانحتاج للكثير لاكتشافها،رغم ذلك نصد عنها كثيرا
    لاأجمل من أخ / أخت أصدقاء !

  15. devotion قال

    قصة رائعة واسلوب اروع
    مثلك تماما لم احس بقدر اختي
    الا عندما غابت :)
    وعندما عادت
    تمنيت ان لا تغييييييييب ابدا

    دمتي بود

    ديفوشن

  16. pen seldom قال

    يااااه ..

    كم هي رائعة سطورك ,, بل هي أقرب للواقع ..

    تألمت من الأحداث .. وكأنها تعنيك حقاً ..

    عزيزتي منيره .. أبدعتي ..

    وأسعدني مروري هنــا ..

    تحياتي لك ..

  17. نسيم السحر ..

    حُييتِ ..

    أخ !!

    الندم .. وهل أقسى منه :/

    أحياناً تأتينا ومضة بيضاء .. أن دعي الخلاف فلستِ تعلمين متى سترحلين .. وتميتها الكرامة الوهمية والعزة بالأثم ..

    الله يصلح الحال ..

    تواجدك أسعدني :)

    ***

    بسوم ..

    يا هلا .. حياك ..

    تسلمين ..

    صدقتِ .. إذا غابت الصديقة .. يصير اليوم .. ماله داعي :/

    هذا من فضل ربي .. اللهم لك الحمد ..

    آآآآآمين يا رب ..

    خليك دوم قريبة .. أفرح بك :)

    ***

    مشاعل ..

    يا الله ..

    ذلك الوخز .. الحزين .. ” وليس المؤلم ” ..

    اللهم لك الحمد .. هذا من فضل ربي ..

    لم أجد صدى لقصة كتبتها كما وجدت لهذه .. أسأل الكريم ان لا يحرمني أجرها ..

    شكراً مشاعل لكلماتك .. رفعتِ معنوياتي ..

    :)

    ***

    غيم ..

    ياااااهلا .. وغلااااا ..

    ممتنة لهذه المدونة بقرب قلوبكم ..

    وهنا المشكلة .. أننا ندرك قيمتهم .. ونتجاهل .. وكأننا نعاند أنفسنا وبقعة النور بدواخلنا ..

    لربما هو الشيطان الذي يحرص أكثر شيء على الأخوة .. كما فعل مع يوسف وأخوته ..

    ولربما هو ” زامر الحي ” الذي لا يطرب .. فكل جديد / غريب يُعد الأفضل ..

    وربما .. وربما ..

    مسرورة والله لتواجدك :)

    ***

    ديفوشن ..

    يا هلا ..

    تسلمين ..

    الحمد لله أنني لم أفقد إحداهن لليوم .. هي مجرد قصة ..

    والحمد لله على عودة أختك .. وربي ما يفرقكم من شر ..

    حياك دايماً :)

    ***

    Pen seldom

    تسلمين ..

    الحمد لله الذي أكسب حرفي هذا الصدق .. وإلا فبضاعتي معه مزجاة ..

    بل أنا من سعدت بتواجدك يا عزيزة ..

    كوني بالقرب :)

  18. منيرة ..

    ما تخرجي لنا .. !

    بعض أبيات شعر ، ونثار أعبقتنا به..

    يتبعه سرد .. للجمال أقرب ..
    .
    .
    من أنتِ ..؟

    أي كنز مخبوء في منيرة ..

    أقسم ، وأراهن .. أنك منبع جمال ..

    وستكونين (يوما) صاحبة ديوان ، وكتاب ..

    وسنطلب توقيع ( مبدعة ) على غلاف (:

    [ صادقة والله ] ..

  19. خرافة ..

    يا هلا .. يا هلا ..

    لستُ سوى ” انسانة ” تتنفس بقلمها :)

    وما ترونه فضل امتن الله به عليّ .. لا لحسنة أمتلكها بل لكرمه وجوده ..

    وأدين له بمعرفة أرواح بيضاء كروحك أيتها الخرافة ..

    أما الكتاب أو الديوان .. فياااااااارب يسمع منك .. اصبحت اتمنى ذلك مؤخراً ..

    تواجدك يبهجني والله :)

  20. آلاء قال

    أحببتها، أحببتها جددداً..
    أحببت كون التفاصيل الصغيرة هي التي صنعت القصة، وهي التي تعرّفنا منها على “بطلتها”..
    أحببت السرد، أحببت المشاعر، أحببت حرفك الآسر..
    أحببت..أحببت كللل شيء فيها..
    وتشربتها تماااماً..

    قلمك آسر، نقي، و..يكتب بسلاسة..
    سأكون هنا دائماً..

  21. آلاء ..

    لم تتركي لي مجالاً لأرد على كلماتك الرقيقة ..

    لكن ..

    الحمد لله أولاً وآخراً ..

    يبهجني أنك ستكونين قريبة ..

    وكفى :)

  22. وكأنك تحكين عنها … هي هي .. أختي … فهي مثالة حد التعجب

    كل شيء يقاس بالمسطرة

    مراعية جدا لنا… حنونة بشكل عجيب … تهتم لمصلحة العامة …

    لا عليك منيرة … مازال هناك بقية باقية … ومتعك الله بها

  23. أماني ..

    سبحان الله ..

    أعتقد أن في كل بيت مثلها ;)

    أظن أن هذه القصة قد فتحت لي آفاقاً من جمال لم أكن أعلم عنها شيئاً .. فالحمد لذي الفضل والكرم ..

    نورتِ :)

RSS feed for comments on this post · عنوان التتبع

أترك تعليقا