لا أدري لمَ وجعكَ بالذات ينخرُ ساقي العتيقة .. وتظلُ أوراقي تسقط .. الواحدةُ تلو الأخرى ..
ومع ذلك .. أشعرُ بروحي أسمى .. تحلقُ حيث الخلود ..
*
*
*
- هذه المرة ستكون مسؤوليتك ..
- الله المستعان ..
- هل ستهرب كعادتك !
- بل سأثبت كعادتي ..
كيف تتجاوز مزحاتي بثبات ” كعادتك ” !
الحافلة .. متهالكة كروحِ مُلحد .. جرداء من كل مظاهرِ البهجةِ التي تستلزمها رحلاتُ كهذه .. قفزاتُ الأطفال لا تتأثرُ بأرجحةِ الطريق .. وأهازيجهم تجعل جعيرَ الثورِ داخل ساقيةِ النفط يتلاشى .. وأنتَ وسطهم كشاخصِ عرفة .. يرونكَ ولا يصلون إليك .. أعجبُ من انسجامهم معك .. أظنكَ تملكُ قلبَ طفل وإن أنكرت ذلك ..
*
*
*
لم أنسَ حين مازحتكَ في المخيم : ” سأحظى بأسبوعٍ لا تسلبكَ فيهِ مني أم يعقوب ” ..
أشحتَ بابتسامةٍ ساخرة .. ثم فاجأتني بدموع تتلألأ .. فأكملتُ بسذاجة : ” أكل هذا شوقٌ لها ! “
- بل له .. والله يا صاحبي .. لا يسليني عنه إلا قربُ أقرانهِ مني ..
في مثلِ موقفٍ كهذا .. هل تسعفكَ الأحرف ! وإن فعلتْ .. فأي شيء ستقول ! ساعتها لم أجد إلا : إنها الجنةُ يا يوسف ..
*
*
*
كانت الشمسُ تشارفُ على إنهاء دورها في أفقنا .. حين صرخَ أحدُ الأطفالِ بفزع : ” الثعبان .. الثعبان ” .. انتفضتَ ذاكراً اسم الحافظ .. ورفعتَ الصبي في لحظاتٍ عن مرماها .. وبصرخةٍ واحدة : ” سمّوا ” .. اسكتَ الجميع ..
حين مضتْ لحال سبيلها .. عاتبتكَ على عدم قتلها ..
- نحنُ المتطفلين على أرضها ..
- لكنها قد تؤذي الأطفال ..
- مادمنا لن نؤذيها فلن يحدث ما يسوء ..
- لا توجد ثعابين مسالمة ..
هززتَ رأسكَ مؤيداً : إنها ” حية مزارع ” لا تؤذي ..
في كل مرةٍ أعاهدُ نفسي أن لا أجادلكَ .. وأخون العهد .. لأن ملامحكَ تعطي غير ما تبطن من خبرةٍ وعلم ..
*
*
*
وفي طريق العودة .. كنا للتو خارجين من ” البقالة ” وبأيدينا علبُ الماء في وقفتنا قبل وصولنا لمنازلنا بمحطتين .. لم انتبه إلا وأنتَ تدفعني لأن ألحق بالحافلةِ وأمضي بها لمأمن .. وفي عينيكَ نظرةٌ لم استطع تخطيها .. لكن لم يكن الموقف ليسمح بالتفكير ..
- بسرعة .. بسرعة .. أنقذ الأطفال ..
لم يهتم السائق بنا في الحقيقة .. فهو قد تحرك بالحافلة قبل أن نصل إليها .. لكنك دفعتني لأجدَ نفسي أقفزُ بخفةٍ كما هي طبيعةُ الحريصِ على الحياة .. لأستقرَ في مدخلِ بوابتها الصغيرة ..
ثوانٍ مرت قبل أن أستوعب أنكَ لم تكن معنا .. وأن كرةً ضخمةً من اللهب أعمتْ أعيننا .. ودويٌّ هائلٌ صم آذاننا ..
*
*
*
كانت ليلتين ..
ليلةً .. حوت سيارةً فارهة لها قائدُ مراهق .. وطفلٌ يلهو أمام باب منزله مع أقرانه .. في شارعٍ بلا إضاءة .. عاد فيها الأطفال إلى منازلهم إلا يعقوب ..
وليلةً .. حوت سائقاً مخموراً يقود ناقلة نفط .. ومحطة تزود بالوقود على طريقِ سفر .. وحافلةً عائدةً من يومٍ كشفيٍ حافل .. وصلت بمن حملت عدا يوسف ..
من بعد الأخيرة لم أعد أقرأ عينيَّ أحد .. فـ ” كن بقربي ” أجدها في أعين الجميع .. وأهرب منها بلا جدوى ..
*
*
*
أن تكون سجين فكرةٍ نبيلة خير لكَ من حريةِ فعلٍ دنيء ..
*
*
*
مداد : منيرة ..
تقويم : منال ..

