أرشيف شهر يناير, 2009

تطهير

منذُ بدأتْ طلائعُ غيثِ الأرواح ، وأنا أتذكرُ جملة والدتي من بين عشرات الجمل التي كانت تواسيني بها : ” لعل الله يكتبُ لكِ حجاً مع زوجك ” .

لم يسبق لهُ الحج وكان هذا في صالحي ؛ ولكن ما جعلني أتردد تغيرُ معاملتهِ لي بعدَ أشهرنا الأولى إذ بدأتْ حالهُ تنقلب ؛ كنتُ أعزي نفسي بأن “قشورَ” العسل قد زالتْ وبدأ “لُبُ” الحياةِ المُّر الذي يَعجُ بالمشاكل كما أسمعُ دائماً ؛ وقفتُ حائرةً في جفاءهِ وصمتهِ المبالغ فيهما ؛ ولم تُفلح نصائح أمي ولا الكتب التي تتبجح بمعرفتها لطريقة التعامل مع الجنس الآخر ولا اجتهاداتي ، خاصةً أنني لم أعرف في حياتي رجلاً غيرَ والدي الذي لم ينجب ذكوراً ، ولا يربطنا بمحارمي إلا زياراتٍ نؤديها كطقوسٍ صامتة .

رَفَضْ طلبي ! ونَهرني حين سألتُ عن السبب . كنتُ أكرر الطلب ويكرر الرفض حتى جرني الحنين والشوق لأن أسحبَ ما ادخرته من مهري وأبيعَ كل ما أُهدي إليَّ من مجوهرات فأصبح المبلغُ يتكفلُ بحج خمسةِ أفراد وليس اثنين . مددتهُ لهُ قائلةً : ” المال والصحة موجودان والحملات بعدد شعرِ رؤوسنا ولا أطفال لنا حتى نخاف عليهم ولم يسبق لنا الحج وعملك لن يتعطل بسبب خمسة أيام ” .

بعدما شارفتُ على اليأس منه نَطَق أخيراً بـ : ” نعم ” وطرتُ بها فرحاً حتى صعقتُ باختيارهِ لحملةٍ رديئةِ الخدمات . حاولتُ منع نفسي من التحسر على أموالي قدرَ الإمكان وعزيتُ نفسي بأنها لله ! حتى وإن ذهبَ ثلاثةُ أرباعها لجيبه وتشاغلت بنشوة الشوق للمشاعرِ المقدسة عن الحافلة المتهالكة وفراغ حقيبتي من المال . شيئاً فشيئاً أصبحَ ينهرني ليمنعني من فتحِ ستارة النافذة أو إمالة رأسي المنهك على كتفه أو طلب شيء منه – أي شيء ! – كل هذا اعتبرته جزءاً من مشقةِ السفر الذي احتسبته لأجل أن لا يفسد حجي قبل بدايته .

حالما وطئنا الرحاب وروحي في الجنة . وكان هو أيضاً مُنشرح الصدرِ , حانياً كما عَرفته في بداية زواجنا . وجاهدتُ نفسي كثيراً كي لا أُظهر له فرحتي بهذه العودة الأخلاقية خشيةَ أن يَثورَ كبرياءُ الرجلِ الأجوف بداخله وأبوء بإثمي وإثمهِ في تلك الساعات الفاضلة .

بالأمسِ فقط عدتُ لمنزلي بعد فترة نقاهةٍ لدى والدتي . وبدا هو كالراوي في مقهىً عربيٍّ قديم ، يسرد كل شيء :

[ حبيبتي ! كما تعلمين فأنا الأكبرُ قبل خمسة أخوة عودنا والدي على تلبيةِ ما نريد قبل أن نطلبه . فقد كان يكفي لأحدنا أن يقول : " الأستاذ طلب منا كذا " أو : " أتمنى كذا " أو : " رأيت مع فلان كذا " ، حتى نرى ذلك الشيء في أيدينا قبل انتهاء اليوم . وبعد وفاة والدي , أصبحتُ أفعل الأمر ذاته مع أمي وإخوتي . كنتُ بالكاد استطيع ذلك لكن مع تركي للمدرسة واشتغالي بالتجارة بدا الأمر سهلاً مع الأيام . بعد وفاة والدتي واستقلالهم بوظائفهم لم يبق لي أحد ليشعرني بهذه المتعة ، حتى دخلتِ حياتي ؛ فكنتُ أتحين حديثكِ عن الأحلام والأماني لأجل أن أفاجئكِ بما تحبين .

بعد زواجنا بأشهر بدأتُ اخسر في ضربات متتالية . ورغم أنني نفذتُ من الديون إلا إنني أصبحتُ عاجزاً عن الإيفاء بالتزاماتي . ووجدتُ نفسي - فضلاً عن غيري - غيرَ قادرٍ على عمل شيء ، وأتحين فقط متى يفنى القليل المتبقي .

كنتِ أنتِ كغالب الفتيات تعودتِ أن تطلبي من الوالد أو تكتبي ما تريدين في ورقة . و كان ذلك يؤذيني ، فمجرد أن تقولي " أحضر " أو " أريد " فهذا يعني أنني لم ألبي طلباتكِ حتى اُضطررتِ للتصريح بها ! مما زادَ في توتري ورماني للصمت . كنتُ ألحظ محاولاتكِ لمعرفة ما بي وأرى الخيبةَ في عينيكِ لأن كل ما تفعلينه يذهبُ هباءً ؛ فأشعرُ بالعجزِ مرتين : لأني لا استطيعُ إخباركِ ولأني لا استطيع العيش وكأن شيئاً لم يكن . تعاملكِ الطيب لم يتغير رغم قسوتي معكِ فأضاف ذلك لما أعانيه : الشعور بالذنب . حتى طلبتِ الحج ولم أرفض - رغم رغبتي - إلا لعدم توفر المال . وحين فاجأتني بذلك المبلغ رفضتُ لأن الشيطان وسوس لي بأن استفيد منه لسد احتياجاتنا . ومع إلحاحكِ استخرتُ وقررتُ أن أقتصد فيه وأصرف الباقي على معيشتنا ، لأجل أن لا نغدو معاً على بساط الفقر .

وهناك ، شرحَ الله صدري لحلٍ لم انتبه له من قبل مما جعلني أؤدي نسكي بكل طمأنينة !

عدنا وشرعتُ في ترتيبِ أوراقي وسبحان من يسر لي أموري حتى استطعتُ أن أبدأ من جديد . وما كان ذلك ليحدث إلا بفضلٍ منه سبحانه ثم بالمال الذي أعطيتني . قد لا استطيع رده لكِ حالياً لكنني أعددتُ ورقةً تضمن حقكِ .

هذا كل ما حدث ؛ كنتُ مخطئاً حين أبعدتكِ عن همومي ، وحين عاملتكِ بجفاء وأرادَ الله أن يثبتَ لي أن من اختارها زوجةً لي هي الأفضل ........... ]

إلى هذه الساعة ..

لازلتُ غارقةً في دموع الامتنان ، غارقةً في عظمة رجل !

25/12/1429هـ

وداد ..

مداد : منيرة ..

تقويم : منال ..

أترك تعليقا

المُتكأ .. نشر ورقي لأول مرة ..

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل حوالي 3 سنوات .. كنتُ مجرد نجمةً في سماء الكون ..

نجمةً تُرسلُ ومضاتها الضعيفة .. وتترقبُ ميعاد دخول الشبكة لتصافح كلماتكن المُثنية ..

كان لها أون لاين هو المنتدى الوحيد الذي احتضن بداياتي في النشر الإلكتروني .. وأعطاني الكثير لتنمو أول ثمرةٍ في الساق اللين .. ولأن للها الفضل بعد الله .. فمن طلبني للكتابة قرأ أحرفي في المنتدى أولاً ..
أسطر :
شُكراً .. منتديات لها أون لاين ..

شكراً .. يامن اسعدتني بذلك الإتصال الصباحي ..

فقد نُشر لي مقال بالإسم الصريح لأول مرة :

 

 

moo

 

.. مُتكأ ..

[ صاحبُ المعروف لا يقع .. وإن وقع وجدَ مُتكأً ]
في اللغة ” المُتَّكَأ ” : ما يُتَّكَأ عليه , أي ما يُعتمدُ عليه عند الجلوس أو لطعام أو شراب أو حديث .. قال العزيز : { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } ( 31 – يوسف )
المتكأ .. منشودنا حال الراحة وهدفنا حال أنس .. ليّن لدرجة أننا قد نغفو عليه .. وقاسٍ أحياناً لدرجة انه يتحمل ثقل أجسادنا .. حيث نرمي أنفسنا عليه بثقة أنه لن يخذلنا ..
المُتكأ يستقبل كل شيء منا بلا ضجر .. بلا تأفف .. يقبلنا بكل ما فينا .. قريب هيّن .. حتى الأطفال لا يصعب عليهم أن يتعاملوا معه في لعبهم وأنسهم ..
وبعض النفوس الغضبى .. لا يهدئ روعها إلا ضربات عليه او لكمات ..

وحين نُشير لصدر المجلس .. لضيفٍ نكرمه .. يستحيل ان يخلو يمين مجلسه من مُتكأ يستند عليه ..

قالت : أشعر أنني مثل المتكأ .. يستند عليّ الأحباب لأجل راحتهم ولا يخطر ببالهم لحظة أنني قد أتأذى وربما هجروني بعد انتهاء مهمتي ..

قلت : أفلا تحبين أن تحملي صفة من صفات المؤمنين الكُمَّل { أَذِلَةٍ على المُؤمِنِينَ } ( 54 – المائدة ) !
التواضع , لين الجانب , حُسن التعامل , الإنصات , حفظ الأسرار وغيرها صفات تحملينها تجعل منك موضع ثقة وظهراً قويّاً لمن يحبك ..

بيننا أرواح تحمل بعض صفات المُتكأ .. يستعملها باريها لإسعاد عباده ورفع الضر عنهم حال الكُرب .. ولا يضيع لهم خير ماداموا في حمى الكريم ..

قد يأنف البعض من فلسفة المُتكأ .. لكنها الحكمة ضالة المؤمن .. جعلني الله وإياك ممن يتكئون على أرائك الفردوس ..

 

 

 

 

 

 

و ..
شكراً .. لمن تكبد عناء شراء المجلة وأرسل لي صورة المقال لأني لم استطع الحصول عليها ..
فلو لم يصلني لما أدرجت التدوينة  اليوم
ملحق عائلتي
العدد الثامن
مجلة الإسلام اليوم
عدد شهر محرم 1430هـ

43 تعليقاً

حي التضامن

اتجه لمنزل شقيق زوجته وبعد الترحيب والضيافة طرح له همه :
- لقد سهر العربيد في البستان الشمالي بالأمس ..
- وكيف عرفت !
- زجاجات الخمر الفارغة والأغصان المكسورة
- وإلى متى ستسكت على هذه التصرفات ! إنه يفسد محصولك يا رجل
- أخاف من مطالبة والده بدينه
- ومادخل هذا بذاك ! إن لم تحافظ على محصولك فلن تستطيع سداد هذا الدين أبداً
- هذا مايريده , أنسيت مافعله ببستان ابي راشد حتى اضطر لبيعه له فكيف ببستاني المجاور لبستانه
- يريد امتلاك الحي باكمله ويتخذ ابنه وسيلة لذلك
- لقد خطر ببالي أن أقترض المال من أبو سعيد
- المرابي ! لا .. لا يا أبا حسام لا تفسد دينك
- ضاقت بي السبل .. ورجال الحي لم يعني احد منهم على فكرة تقسيم المبلغ بينهم بالتساوي حتى اتخلص من العربيد وابيه
فابو يزن تحجج بابتعاث ابنه للخارج وابو منصور تعذر بزواجه الثاني الذي يستعد له حالياً وابو محمد قال انه نصحني ولم استمع له أكان يريدني أن أترك زوجتي تموت ! ولم يكن أحد يستطيع اقراضي مبلغاً بهذه الضخامة سواه وابو فهد قال انني رفضت تزويج ابنتي لابنه ولا يشرفه مساعدتي وابو سلطان لا يسلم عليّ منذ شهدت على ابنه بسبب سرقة محاصيل العام الماضي وابو صالح نصحني بالشكاية لمركز الشرطة لأنه تعدي على ممتلكاتي وليس لمرة ولا مرتين ولكن كيف اشكو العربيد ورئيس المركز زوج اخته
- مالي مالك يا اخي !
- لا يا ابا طارق اعانك الله على تجهيز بناتك أم أنك نسيت انهن سيتزوجن قريباً
- افلا تجعل ام حسام تحادث زوجة العمدة فانت تعلم ان حديث النساء يختلف
- اعوذ بالله اتريد ان اجعل ام حسام تدخل منزلا نجسا كهذا
- جارة تزور جارتها مالعيب فيها !
- انت لم تر منزله إنه يعج بالمنكرات .. كما اني لا اثق بخدمه الذين يفعلون اي شئ فقط لاجل راتب مجز آخر الشهر
- لا حول ولا قوة الا بالله .. فمالحل إذا
- لا اعلم .. الفرج من عند الكريم

في نهاية العام .. أخذ ابو حسام مبلغاً واتجه لقصر العمدة .. الذي رفض قبوله قائلاً : أريد المبلغ كاملاً فقال ابو حسام بتعجب : ألم تقل لي هات أول قسط في نهاية العام ! قلب العمدة ورقة المداينة بين يديه : لايوجد ما يثبت هذا هنا .. مسجل هنا السداد آخر العام أو السجن ..
ابتلع غصة الالم وقال : لا املك المبلغ كاملاً ..
- لا عليك هناك حل سآخذ القسط بشرط أن تحضر ابنتك لتعمل هنا وراتبها يكون لسداد الدين ..
استشاط غضباً فهو يعرف وظيفة الخادمات بالنسبة له وأجاب : لن أفعل واسجني اذا اردت
- لن استفيد من سجنك شيئا ستموت ارضك فحسام لازال صغيرا وزوجتك مريضة لن تستطيع العمل لتوفر لابنائك الطعام ولربما اضطرت ابنتك للعمل لاجل ذلك
ازدادت الغصة وحبس ابا حسام دموعه ولسانه .. وخرج ..
بعد سنوات .. بكت أم حسام وهي تحكي لزوجها عن مواساة جاراتها في وفاة حسام بعد اشتباكه مع سائق العمدة حين اتى لياخذ اخته , وعلى البساتين التي سقطت واحداً تلو الآخر في ملكية العمدة , وعلى سهرات راشد وسعيد ويزن ومنصور ومحمد وفهد وسلطان وصالح وطارق مع العربيد كل ليلة في البستان الشمالي .. وعن إمام الحي الذي بات يقيم الصلوات ولا جماعة في المسجد ..
* الحرف الوحيد الذي استطعت خطه منذ بدأ القصف :/
يحتاج للتعديل .. كثيراً ..

6 تعليقاً

المواضيع السابقة »