كانتْ فرحتهُ عارمةً حين وصلهُ خبرُ موافقةِ السيد بيتش على عملهِ كسائق لديه . صهريجٌ يحملُ الماءَ لأحياءٍ نائيةٍ تعجزُ أراضيها المترامية أن تنضحَ قطرةَ ماءٍ واحدةٍ لمعيشةِ أهلها . في يومهِ الأول , بدا الطريق طويلاً وبلا نهاية لكن بيدرو كان سعيداً يترنم بأغنيةٍ شعبيةٍ قديمة ويتناولُ مشروباً غازياً غادرته آخر أطيافِ البرودة منذُ غادرَ مقرَ انطلاقته . لم يلحظ الجو الخانق لأنه كان يفكر برطل البطاطا الذي سيعود به لإيفا وماريو , وربما حالفهُ الحظ ليشتري لماريو زجاجة حليب . كانت المنطقة شبيهةً بحي مسكون بالأشباح حين رآه لأول مرة غادرته نشوة العمل الجديد , فلم يتوقع أن يرى مناطقاً أشدُ بؤساً من مكان سكنه .
لم يستغرق وقتاً طويلاً ليكتشفَ أنَّ السيد بيتش يمتلك محطة الوقود في تلك المنطقة والتي اخبره عاملها المُقعد أنه يملكِ أيضاً العيادة المتهالكة التي يعتمد عليها الآلاف ولا يأتي طبيبها إلا مرة واحدة كل أسبوعين .
قال كارلوس : هكذا هم البيض , كالشاطئ تماماً . يبتلعون كل شيء ويلفظون لنا الحيتان النافقة .
هز بيدرو رأسه موافقاً .
- الم تفكر في الهجرة للشمال ؟
- رفضت زوجتي بعدما حاول أحد سكان حينا التسلل , فقتلته كلاب حرس الحدود , وأكلتْ جثته النسور .
- أطلقوا عليَّ النار مباشرة وبدون تحذير . لم تصبني الرصاصة لكنني تعثرتُ وأصيب راسي ثم فقدتُ القدرة على المشي . كان هذا في الربيع الماضي حين طلبتُ من السيد بيتش أن أعمل هنا بدلاً من ذلك العجوز الذي مات في منزله . هه لا أصدق أنني فقدتُ ساقيَّ بعدما كنتُ احلم بالثروة التي سأجنيها هناك اعتماداً عليهما .
لم تكن تهم بيدرو كل تلك التفاصيل في الحقيقة , لكنه كان يسمح له بالاسترسال حتى يمتلئ خزان وقوده فقط ليعود لزوجته وابنه .
كان بيدرو في مكتب السيد بيتش , حينما نسي مدير مكتبه جهاز النداء مفتوحاً بعدما صرخ به سيده آمراً إياه بالحضور . كانت ثورة السيد بيتش عارمة , وسمح له الغضب بشرح الوضع كاملا لبيدرو .
- أيها الأحمق الم أقل لك لا تحول لي مكالمة هذا البدين !
- ولكنه الوزير يا سيدي !
- هذا الوزير ليس إلا كرةً مكسوة بالشعر . أنا من يتحمل مسؤولية كل صهريجٍ يخرج من هنا . كل مخدر يغرسه الطبيب في أجسادهم العفنة . كل بضاعةٍ ننقلها ونحن نرتعد خوفاً . ليأتي هذا البدين ويقاسمني كل شيء !
كانت الصرخات تنهال على رأس بيدرو . وهو يجمع الخيوط بهدوء كمحارب قديم ليفهم الحكاية :
أسطول الصهاريج التي يملكها السيد بيتش برَّاقةٌ لامعةٌ من الخارج , صدئَةٌ متآكلةٌ من الداخل . تنقل للأهالي التسمم بمادة “الأمونيوم” فتضطرهم الآلام لقصد عيادات السيد بيتش التي تقرر لهم عمليات وهمية تسرق فيها أعضائهم وتسلمها للمافيا التي ينتمي لها مسؤول التصاريح الذي يختم على صلاحيتها لنقل مياه الشرب . وزير الصحة علم بهذه الخطة وأصبح يساومه ليكون له نصيب من سوقها السوداء .
خرج مدير مكتب السيد بيتش بوجه مكفهر صارخاً فيه : لا أظن السيد بيتش سيسمح لك بالدخول اذهب لعملك . تمالك بيدرو نفسه ليقول : سأعود في وقت آخر .
سار بأقل من السرعة القانونية ولا شيء إمامه سوى السراب الممتد , وأحداث الأسبوع الماضي تفرض نفسها على خلوته : دار الرعاية التي أرسلت لايفا بطلب رسوم دفن والدها , وإلا فسيكون لشرطة الولاية معها حديث آخر . وجه جده المشبع بالفخر . عيون إيفا الملئى بالدموع . ضحكة ماريو . تردده وصلواته ليستطيع إقناع السيد بيتش بصرف راتبه الشهري قبل موعده . حديث كارلوس عن قدميه . جنين المرأة التي اخبرها الطبيب انه ولد ميتاً رغم قسمها أنها سمعت بكاءه لكنها خرجت من العيادة بدونه .
وصل لأبعد نقطة يسمح لها وقود الصهريج . أوقفه في الأرض الخلاء . نزل منه وبيده مرزبة ثقيلة هوى بها على أنبوب ضخ المياه . رمى ما بيده وساقته قدماه إلى الحدود الشمالية
تاركاً خلفه بركة مياه تبتلعها الأرض الجافة .
* نشرت في مجلة المتميزة – عدد شهر شعبان 1430هـ *




